بقلم/ الدكتور حميد النوفلي
إن حج بيت الله الحرام وما يسبقه من استعداد وتهيؤ، وما يقوم به الحاج أثناء الحج من أعمال كثيرة ومتنوعة ومناسك عظام يؤديها بشكل فردي أو جماعي تمثل ذكريات محفورة في ذاكرته إلى أمد بعيد. وربما تكون تلك الحجة الوحيدة للإنسان؛ فلا عجب أن تكون بتفاصيلها الدقيقة حاضضرة في وجدانه ما عاش.
وتأسيساً على أن من علامات الحج المبرور – كما يرى أهل العلم – أن يكون الإنسان بعد الحج موفقاً لفعل الخير مداوماً على الطاعة مسارعاً إلى الأعمال الصالحة ساعياً إلى نيل رضا الله وثوابه أكثر من أي وقت مضى؛ فإن ذلك كله يعد تأكيداً صريحاً على أن مرحلة ما بعد الحج ما هي إلا امتدادٌ إيماني لفترة الحج التي عاشها وذاق فيها حلاوة الإيمان، وتقلب فيها من منسك إلى منسك، ومن عبادة إلى عبادة، واستشعر طعم العبودية الخالصة لله تعالى بامتثال أوامره بكل خضوع واستسلام وانقياد.
ورغم أن استشعار المناسك واتقان أدائها والحرص على الاتيان بها وفق ما يرضي الله عز وجل أمرٌ يتفاوت فيه الحجيج، فكذلك الحفاظ على جذوة الحج مشتعلةً متّقدةً بين جنبي الإنسان لأطول وقت ممكن بعد الحج لهو أمرٌ يتفاوت فيه أولئك الحجيج. ولكن، يظل أفضلهم من اتخذ من شعائر الحج –وسائر العبادات بالطبع- وقوداً يسير به لعبور هذه الحياة الدنيا وموصلاً إلى لقاء الله تعالى جاعلاً قوله تعالى نصب عينيه “فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً”.
ما أجمل أن يعيش الإنسان حياته في ظل العبودية الحقة لله تعالى

ولا ريب أن السعادة الحقيقية والحياة الكريمة التي ينشدها الإنسان تكون في عبادة الله وحده طيلة هذه الحياة الدنيا بحيث يفني المرء حياته في طاعة الله متأسياً بالنبي صلوات ربي وسلامه عليه الذي أمره رب العزة والجلال بالاستمرار في عبادته ما دام على قيد الحياة “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”. إذن، فما أجمل أن يعيش الإنسان حياته في ظل العبودية الحقة لله تعالى، وأن يحافظ على أعماله من الرياء خشية أن تحبط/ وما أحوجنا جميعاً إلى الإخلاص في العبادة والاستمرار عليها ابتغاء مرضاة الله عز وجل ونيل ثوابه.
من علامات الحج المبرور – كما يرى أهل العلم – أن يكون الإنسان بعد الحج موفقاً لفعل الخير
ومن الناحية النفسية؛ فإن من المؤكد أن مما يعين المسلم على الاستمرار في العبادة والمحافظة على مكتسباتها بعد الحج هو أنه سيكون متحرراً من ثقل الأوزار وشؤم الذنوب التي أصابها في حياته قبل حجه، ودليله في ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” أي: رجع صفحةً بيضاء نقيةً من الذنوب، خاليةً من المعاصي.
وكذلك، فإن في تذكر بشاراته عليه الصلاة والسلام الكثيرة في هذا الشأن داعٍ للاستزادة من فعل الخيرات والمسارعة إليها. ويكفي الحاج أن يتأمل الحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الهدى: “الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة” ليكون له محفزاً لأن يفني حياته قريباً من ربه تعالى مستمسكاً بعروته الوثقى، لا يرتضي بها بدلاً ولا يبغي عنها حولاً.
اكتشاف المزيد من الاستقامة للحج والعمرة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

بوركت مساعيكم